محمد جواد مغنية
25
في ظلال نهج البلاغة
( ولا سلبتهم - إلى - فكرهم ) . هذا عطف تفسير على ما قبله ، لأن معناه انهم ليسوا في حيرة من وجود اللَّه وعظمته ، ومن أين تأتي الحيرة وقلوبهم أصفى من الصفاء ، وعقولهم نور وبهاء ( ومنهم من هو في خلق الغمام الدلح ) أي ان بعض الملائكة في خلقته كالسحاب الثقيل بالماء ( وفي عظم الجبال الشمخ ) مثل الجبال الشامخة ( وفي قترة الظلام الأبهم ) أي كالليل في سواده . ( ومنهم من خرقت - إلى - الحدود المتناهية ) . أي هناك صنف من الملائكة مفرط في الطول ، ولهم أقدام بيض كالأعلام يمدونها من العلو ، فتهبط لا يصدها شيء حتى إذا بلغت حدود الأرض التي لا أرض تحتها - وقفت الأقدام ، ومنعتها من الهبوط ريح ساكنة . . هذا ما دل عليه ظاهر الكلام ، وقيل : المراد بالاقدام هنا علم الملائكة بأقطار الأرض ونهايتها . . ولا داعي لهذا التأويل وغيره ما دام العقل لا يرفض الظاهر . ( قد استفرغتهم اشغال عبادته ) . تفرغوا للعبادة حيث لا زراعة ولا صناعة ولا تجارة . . أبدا لا شيء إلا الذكر ، فهو وحده شغلهم الشاغل ( ووصلت حقائق الإيمان بينهم وبين معرفته ) . وبهذه المعرفة باللَّه والصلة بينهم وبينه سبحانه - سعادتهم وسرورهم ونعيمهم ( وقطعهم الإيقان به إلى الوله اليه ) . ان إيمانهم باللَّه وإخلاصهم له صرفهم عن كل شيء إلا عن التوجه إلى اللَّه لا إله إلا هو . حلاوة المعرفة . . فقرة 17 - 20 : ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره . قد ذاقوا حلاوة معرفته وشربوا بالكأس الرّويّة من محبّته ، وتمكَّنت من سويداء قلوبهم ، وشيجة خيفته ، فحنوا بطول الطَّاعة اعتدال ظهورهم . ولم ينفد طول الرّغبة إليه مادّة تضرّعهم ، ولا أطلق عنهم عظيم الزّلفة ربق خشوعهم ، ولم يتولَّهم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم .